تاريخ معرض الرياض الدولي للكتاب: رحلة ثقافية عبر عقود

يُعد معرض الرياض الدولي للكتاب أحد أبرز الفعاليات الثقافية في المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية، حيث يمثل منصة رئيسية للناشرين، الكتاب، الأدباء، والقراء لتبادل الأفكار والمعرفة، والاحتفاء بالكتاب كأداة للتواصل الحضاري والثقافي. يعكس تاريخ هذا المعرض تطور المشهد الثقافي في المملكة، ويبرز دوره كجسر يربط بين الثقافات المحلية والعالمية. في هذا المقال، نستعرض تاريخ معرض الرياض الدولي للكتاب، بداياته، تطوره، وأهم محطاته.
البدايات الأولى
تعود جذور معرض الرياض الدولي للكتاب إلى عام 1976، حيث أُقيم أول معرض للكتاب في العاصمة السعودية الرياض بجامعة الملك سعود، تحت إشراف وزارة التعليم العالي آنذاك. كانت هذه النسخة الأولى بمثابة نواة متواضعة لما سيصبح لاحقًا واحدًا من أكبر المعارض الثقافية في المنطقة. توقف المعرض لفترة، لكنه عاد بشكل قوي ومنظم في عام 2006، حيث بدأ يأخذ طابعًا سنويًا منتظمًا تحت إشراف وزارة التعليم العالي، ثم انتقلت المسؤولية إلى وزارة الثقافة والإعلام في عام 2007، ليصبح تحت إشراف وكالة الشؤون الثقافية بالوزارة.
التطور والنمو
مع انتقال إدارة المعرض إلى وزارة الثقافة والإعلام، بدأت ملامح التطور تظهر بوضوح. في عام 2008، اتخذ المعرض خطوة نوعية باستضافة دولة ضيف شرف لأول مرة، وكانت اليابان الدولة الأولى التي حظيت بهذا التكريم، حيث خُصص لها جناح خاص لعرض ثقافتها وإصداراتها الأدبية. هذه الخطوة ساهمت في تعزيز البعد الدولي للمعرض، مما جعله منصة للتبادل الثقافي بين المملكة والدول الأخرى.
في عام 2009، توسعت مساحة المعرض لتشمل خيمة مخصصة للمؤتمرات والندوات، وزاد عدد دور النشر المشاركة إلى حوالي 650 دارًا من 27 دولة، مقدمةً 250 ألف عنوان كتاب. كما استضاف المعرض البرازيل كضيف شرف في تلك السنة. وفي عام 2010، شاركت السنغال كضيف شرف، مع تنظيم برامج ثقافية متنوعة، مما عزز مكانة المعرض كحدث ثقافي شامل.
بحلول عام 2011، شهد المعرض مشاركة 700 دار نشر من 30 دولة، مع عرض 300 ألف عنوان، واستضافة الهند كضيف شرف. كما تم تخصيص أربع منصات لتوقيع الكتب، حيث وقّع 165 مؤلفًا ومؤلفة إصداراتهم الجديدة، وتجاوز عدد الزوار 3 ملايين زائر، مما يعكس الإقبال الجماهيري الكبير على هذا الحدث.
التوسع والتجديد
في عام 2012، بدأ المعرض بتبني شعار خاص لكل دورة، إلى جانب استضافة دولة كضيف شرف سنويًا، مع تخصيص جناح مميز لعرض تاريخها وثقافتها وإصداراتها الأدبية. كما خُصصت قاعة خاصة بدور النشر المعنية بكتب الأطفال، مما عزز من جاذبية المعرض للعائلات والأطفال.
في عام 2016، أقيم المعرض تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، بمشاركة 1.2 مليون عنوان كتاب وأكثر من 500 دار نشر، مما جعله واحدًا من أكبر المعارض في المنطقة. وفي عام 2018، انتقلت إدارة المعرض إلى وزارة الثقافة بعد فصلها عن وزارة الإعلام، حيث تولت هيئة الأدب والنشر والترجمة الإشراف على تنظيمه، مما أسهم في تعزيز مكانته كجزء من رؤية المملكة 2030.
محطات بارزة
– 2019: أقيم المعرض في مركز الرياض الدولي للمؤتمرات، بمشاركة 913 دار نشر و500 ألف عنوان، وشمل 62 ندوة ثقافية، 13 جلسة نظمها المجلس الثقافي، 4 عروض مسرحية، و18 فيلمًا سعوديًا. كما حظي برعاية ثقافية من مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وعُرضت مشاريع رؤية 2030 مثل نيوم والقدية.
– 2021: بعد تأجيل نسخة 2020 بسبب جائحة كورونا، أقيم المعرض في واجهة الرياض تحت شعار “وجهة جديدة، فصل جديد”، بمشاركة أكثر من 1000 دار نشر من 30 دولة، وكانت العراق ضيف الشرف. شهد المعرض حضورًا نوعيًا من شخصيات ثقافية بارزة، واعتبر الأكبر في تاريخ المملكة من حيث المساحة والمشاركة.
– 2022: سجل المعرض رقمين قياسيين في موسوعة غينيس: أكبر كلمة مكونة من 7000 كتاب (كلمة “ترجم”)، وأكبر كتاب منبثق في العالم. شاركت 1200 دار نشر من 32 دولة، مما يعكس النمو المستمر للمعرض.
– 2023: أقيم المعرض في مقر جديد بجامعة الملك سعود على مساحة 46 ألف متر مربع، وشمل حوالي 200 فعالية ثقافية، منها حفلات موسيقية وعروض مسرحية وأمسيات شعرية.
– 2024: انطلق المعرض تحت شعار “الرياض تقرأ” من 26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر، بمشاركة أكثر من 2000 دار نشر من 30 دولة، وكانت قطر ضيف الشرف. شمل المعرض أكثر من 800 جناح وفعاليات ثقافية متنوعة، مما يعكس مكانته كمنصة عالمية للتبادل الفكري.
– الأهمية الثقافية والاقتصادية
يُعد معرض الرياض الدولي للكتاب منصة تجارية واقتصادية للناشرين وتجار الكتب، حيث يجذب سنويًا أكثر من مليون زائر، مما يجعله أحد أكبر معارض الكتاب العربية من حيث عدد الزوار وحجم المبيعات. كما يلعب دورًا حيويًا في تعزيز شغف القراءة، وزيادة الوعي الثقافي والأدبي، من خلال استضافة ندوات، ورش عمل، أمسيات شعرية، وعروض مسرحية وسينمائية.
يتميز المعرض بتنوع فعالياته، حيث يشمل أجنحة مخصصة للكتب المخفضة، والمؤلفين المستقلين، وكتب الأطفال، بالإضافة إلى جوائز سنوية بقيمة 50 ألف ريال سعودي تُمنح لدور النشر والمؤلفين المتميزين. كما يعكس المعرض رؤية المملكة 2030 من خلال التركيز على تعزيز الهوية الثقافية ودعم القطاعات الثقافية.
الخاتمة
منذ انطلاقته المتواضعة في عام 1976، تطور معرض الرياض الدولي للكتاب ليصبح حدثًا ثقافيًا عالميًا يعكس طموح المملكة في تعزيز المشهد الثقافي والمعرفي. من خلال استضافة دول ضيف شرف، وتوسيع نطاق المشاركات، وتنظيم فعاليات متنوعة، أصبح المعرض منبرًا للحوار الثقافي والفكري، وجسرًا يربط بين الثقافات المحلية والعالمية. يظل معرض الرياض الدولي للكتاب شاهدًا على التزام المملكة بتعزيز القراءة والمعرفة، ومنصة تجمع عشاق الكتاب من مختلف أنحاء العالم، ليواصل دوره كأحد أهم المهرجانات الثقافية في المنطقة.

